(( أنت امرأة نكدية.... لا أدرى لمَ لازلت اجىء إليكِ
إن ظفرها برقبتك))
وصفق الباب وراءه بعنف تاركا فى أرجاء الشقة صوتاً مدوياً
ثم صمتاً رهيباً....
أصاخت السمع لعلها تسمع وقع أقدامه عائدةً... أو صوت المفتاح يدور
فى الباب معلناً أنه قد هدأ وغير رأيه...
ولكن لم يحث..ووجدت نفسها تجلس فى ردهة المنزل ولا شىء حولها
إلا السكون التام ودقات ساعة الحائط ... وبعد دقائق ثقيلة لا تعرف لها عدداً
وجدت دموعاً حارة تنساب على خديها ...واكتشفت انها لم تحرك ساكناً منذ
خرج من حياتها للمرة الأخيرة....
تركها صلاح وغادر البيت بعد أن اتهمها أنها نكدية وأنها لا تشعر بوجوده
وأن زوجته الثانية التى اقترن بها منذ سنوات قليلة هى الأحق ببقائه معها...
جلست فى الردهة كما هى حتى حل الظلام ونبهتها دقات الساعة أن اليوم
قد مضى دون أن تفعل شيئاً ...لم تطبخ لأن صلاح لن يأكل.. ولم تضىء
النور لأن صلاح لن يقرأ ... ولم تتكلم لأن صلاح لن يسمع ...
لم تكن أجمل الجميلات ولكنه كان يقول لها انها وجهها جذاب ....
ولم تكن الاكثر مهارة فى التحاور ولكنه كان يقول لها ان صوتها دافىء رخيم...
والآن ... تركها ومضى .. ذهب الى الجميلة ذات الدلال التى جلبت له من
الأطفال ثلاثة... فلماذا يبقى معها؟؟!!! معذور
ولكن... ماذا ستفعل هى؟؟!! لم تجد إجابة على السؤال فدخلت تنام.!
نامت الى الصباح نوماً كالموات..لا أحلام فيه ولا حركة... وكأنما
أصبحت جثة هامدة...وعندما استيقظت فى الصباح...عجبت أنها مازالت
على قيد الحياة...وزاد من عجبها أن الحياة مستمرة... فتحت الشباك فرأت
الشارع ملىء بالناس..والجيران فى النوافذ والأطفال فى المدرسة المجاورة..
كل شىء ينبض بالحياة كالمعتاد إلا هى و صلاح ...
ومضى يوم واثنان وثلاثة وهى كما هى تصحو كل يوم تجلس فى الردهة
من الصباح الى المساء يدور بها التفكير فى حياتها مع صلاح ... إذا فكرت
أن تأكل صنفاً فمن أصنافه المفضلة...إذا فكرت ان تغسل تغسل إحدى أشيائه
القديمة التى تركها عندها ولم يعد يرتديها منذ زمن...وفى نهاية اليوم تجلس
على كرسيه أمام التلفاز تفكر فى كلامه الذى كان يقوله لها...
((ما رأيك أن نذهب الى الأسكندرية يومين
هربا من هذا الجو الخانق يا صلاح؟؟!!))
((الإسكندرية ؟؟!! هل جننتِ؟؟!!
وما الذى يجعلنا نذهب فى هذه الزحمة؟؟!!!
بلطيم هادئة ولطيفة))
((وهل يوجد شىء فى بلطيم؟؟!! إنها لا تصلح مصيف))
((اصمتى..وما يدريكِ أنتِ؟؟!! ))
معه حق ..فالإسكندرية تموج بالبشر والزحام بها خانق... أما بلطيم
فيها الهدوء والراحة... صحيح أنه منذ أن رزقه الله بالأولاد أصبح
يذهب الى الأسكندرية كل سنة ... لكن ذلك طبعا غصبا عنه...
من أجل الأولاد ...فماذا يفعل الأولاد فى بلطيم؟؟!! معذور
(( صلاح ...فاتورة التليفون 200 جنيه))
((إيه؟؟!! طبعا مادمتِ لا تتركيه من يدك طوال اليوم...
فليس لديك شغل غيره... اتفضلى ..اتصرفى .. قسما بالله
لن أدفعها ..وهل أنا بنك؟؟!!))
مسكين كيف يلبى كل هذه الطلبات؟؟تليفون شقته هذه ومصاريفها
ومصاريف بيته الثانى وأولاده وتليفونهم...يجب أن تحاول هى تسديد
الفاتورة فلا سبيل أن تترك الخط يضيع... فهى تستخدمه للسؤال عن صديقاتها
اللاتى لا تراهن إلا كل حين وآخر...فالكل مشغول ولا أحد يملك وقتاً للزيارة
ثم إن صلاح يحتاج للتليفون ليسأل على الأولاد ... وليطمئنوا هم عليه
ويطلبوه إذا احتاجوا شيئاً ... لا بأس ستتدبر هى الأمر ...
يجب أن تساعده فهو معذور
حتى فى زواجه من الأخرى...ذهب إليها لأنه مشتاق للأولاد وقد رشحتها
له أخته...فهى جارتهم فى السكن... ولم يوافق صلاح فى البداية لأنه كان
متمسكاً بها ...ثم لان للإلحاح ..بعد أن أفهمهم أنه لن يستغنى عنها ...
ولانت هى للظروف لأنها لا يمكن أن تحرمه الولد الذى يشتاقه.. معذور
والآن تركها ... معذور فقد اشتد الحمل عليه .. المصاريف.. وضغوط الحياة
... والنكد ... يجب أن تفهم..أن تُقدر ...أن تتغلب على قهرها ..لكن ماذا تفعل بأيامها؟؟!!
تذكرت أن جارتها نبيلة كانت قد أشارت عليها أن تعمل معها معلمة اشغال يدوية
فى المدرسة المجاورة فهى خريجة اقتصاد منزلى وبارعة فى شغل الإبرة وكثيرا
ما ساعدت بنات الحى فى خياطة فساتين أفراحهم من باب التسلية ... ولكن صلاح
لم يقبل ابدا أن تعمل فى السابق... فكيف تترك البيت من الصباح وتعود
فى منتصف النهار دون أن تجهز له الغداء أو تكون إلى جواره إذا احتاجها... فهو
لم يكن موظفا له مواعيد ثابتة..بل كان يعمل فى فندق كبير له وردية قد تختلف
مواعيدها ... يوماً فى الصباح وآخر آخر النها ووردية ثالثة ليلاً ... كان لابد
أن تكون الى جواره مادام فى البيت...تلبى طلباته وترعاه فقد كان عمله
متعباً للغاية... معذور
أما الآن وقد أصبح الوقت ملكها...لا يشغله إلا الفراغ... فلا بأس أن تنزل
فى الصباح الباكر وتعود فى الثالثة... فالحمل قد خف الآن لأن صلاح لم يعد موجوداً..
ومضت بها الايام تذهب الى المدرسة فى الصباح وتعود لتجلس على كرسى
صلاح فى الردهة فى المساء....
وطلبت منها إحدى المعلمات أن تشتغل لها مفرشاً لابنتها العروس فلبن الطلب
وأصبحت تجلس على كرسى صلاح فى الردهة وترسم بالخيوط ورودا جميلة
فى مفرش إبنة زميلتها...
وبعد ذلك المفرش طلبت منها إحداهن ملاءة سرير وأخرى شغلا على فستان
وأصبح كرسى صلاح لا يسعها هى والشغل فصارت تجلس على الأريكة
أمام التلفاز وتضع لوازم الخياطة على كرسى صلاح.. وأصبح يومها مشحوناً
فى الصباح تنشغل مع زميلاتها فى المدرسة ومع تلميذاتها... وفى المساء تُحيك
الخيوط فى أشكال فنية بديعة تطلق لخيالها بها العنان...واختفى كرسى صلاح
تحت أكوام الأقمشة والخيوط وأدوات الخياطة...وقررت فى يوم أن تزيحه من
الردهة وتضع مكانه دولاباً لأغراضها الجديدة....الأقمشة والخيوط والكتالوجات
فقد ذاع صيتها فى مدرستها وفى الشارع ثم فى الحى.. وأصبح الجميع يأتون إليها
لتجهز لهم أطقم المفارش والملاءات... وأصبحت تتلقى الدعاوى لحضور حفلات
زفاف زبوناتها الصغيرات....
وأفاقت يوماً على جرس الباب... فقامت من وسط أقمشتها الجميلة والخيوط الزاهية
لتفتح الباب....فوجدت أمامها صلاح... وقفت أمامه لبرهة لا تعرف من هو!!!
لقد فقد نضارته وقوته وجبروته وأصبح صلاح آخر ...
نظر صلاح إليها ورأى فى عينيها نظرة قوة لم يألفها من قبل...
فتح فمه ليقول لها شيئاً ... لكن الكلام توقف فى حلقه وسده...
استدار على عقبيه واتجه الى الباب وفتحه...نظر إليها نظرة أخيرة
قبل أن يخرج من باب الشقة للمرة الأخيرة... ولم يجد ما يحدث به
نفسه الا كلمة واحدة لم تسمعها ..... معذورة